1 2 3 4 5 6
Samedi 13 Décembre 2008

''مصطفى بن بولعيد''·· عمل سينمائي وليس عملا توثيقيا

المحور الثالث (3)

 يكشف منتج وكاتب سيناريو فيلم ''مصطفى بن بولعيد''، لـ''الجزائر نيوز'' لأول مرة عن تكلفته المالية، والصعوبات التي واجهت إنجازه··

حاوره : عبد اللطيف بلقايم

أولا وقبل التطرق إلى الناحية التاريخية للفيلم، نريد مقارنة بسيطة من الناحية المادية لإنجازه، مع أفلام ذات صلة تم إنجازها من قبل في الجزائر، كـ''بوعمامة'' مثلا أو ''معركة الجزائر''؟

أمر المقارنة صعب جدا، لكثير من الأسباب، من بينها أنه في تلك الفترة كان للجزائر تقنيون ومختصون في الميدان السينمائي التاريخي أكثر من اليوم، وكانت مؤسسات الدولة هي من تضمن التمويل دون أية صعوبات تذكر، أما حاليا فإن الأمر لم يعد كذلك، فـ''مصطفى بن بولعيد'' تطلب مني ست سنوات لإنجازه وعرضه، حيث كنت خلال هذه الفترة منصبا على البحث والتنقيب، حيث تنقلت الى مسقط رأس الشهيد وبحثت عن رفاقه الحقيقيين، وكان لزامنا عليّ أن أجمع المعلومات الرسمية عنه، كمصطفى الإنسان والقائد والثوري، ليتم فيما بعد تشكيل وتركيب الجانب البسيكولوجي، وتصبح لاحقا جاهزة للعمل الفني· هذا من جهة، ومن جهة أخرى، دائما في باب المقارنة، فالسيناريو المكون من 250 صفحة سبق لي وأن عرضته على العديد من مؤسسات الدولة، لكن بعد رحلة مضنية وشاقة بينها، لم أجد في الأخير صاغيا إلا وزارة المجاهدين، ممثلة في محمد شريف عباس، لا كوزير، بل كمناضل ومجاهد، لتبدأ بعدها رحلة أخرى من البحث عن مخرج جدير بهذا العمل، حيث اتصلت بنحو خمسة منهم، لم أتوسم في أي منهم قدرة على إنجازه فنيا، للأسف لأنهم لم يكونوا قادرين على فهم شخصية مصطفى بن بولعيد، ربما لأنهم شباب غير مشبعين بثقافة التاريخ الجزائري وتاريخ الثورة التحريرية، لأجد في نهاية المطاف المخرج أحمد راشدي، وهو من جيل الثورة وله اطلاع، ووجدت لديه حماسة واستعدادا للعمل، لكن اعترضنا فيما بعد مشكل التمويل، حيث لم تكن 7 ملايير التي منحتها وزارة المجاهدين كافية لذلك، فاضطررت لبيع قطعة أرض كنت أملكها في عنابة وسيارتي الشخصية من أجل إنجازه، حت تسنى لنا بدء التصوير، إلا أننا توقفنا عن التصوير لمدة 7 أشهر بعد إصابة بطل الفيلم بكسر، لكن التعطل كان بعد ذلك فرجا لتدخل رئيس الجمهورية الذي أمر بصرف 15 مليار سنتيم لاتمامه، وساهمت وزارة الثقافة بمناسبة ''الجزائر عاصمة الثقافة العربية'' بمليار سنتيم، و''لا فداك'' بمليار سنتيم أيضا، كما شاركت ''سونلغاز'' أيضا في التمويل، حيث استغرقنا 25 أسبوعا لما تبقى من التصوير و90 كيلومترا من الأشرطة التصويرية، كما شارك في الإنجاز خبراء في السمعي البصري من فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، وكندا وتونس ودار التصوير في العديد من مناطق الوطن، وحتى في الخارج، وكان الإسهام الأكبر لوزارة الدفاع الوطني، التي وضعت تحت تصرفنا كل الإمكانيات اللوجيستيكية كالطائرات والدبابات والجنود والأسلحة، وما يجب التشديد عليه، أن فيلما كهذا بالمواصفات الأوربية يكون في حدود 150 مليار سنتيم، لكن نحن أنجزناه بـ30 مليارا فقط·

ما هي مصادر ومراجع الفيلم التاريخية والتوثيقية؟

لدي رسالة ماجستير في الخلفية الفلسفية لثورة التحرير، ولدي كتاب ''شاهد على اغتيال الثورة'' للرائد بورقعة وأنجزت عدة أوبرات منها على العقيدين لطفي وعميروش الثورية، لالة فاطمة انسومر، كما أنني مهتم منذ 1980 بالمقاومة الجزائرية وتاريخ الحركة الوطنية والجزائر المعاصر والقديم معا، كما قرأت المئات من الكتب حول هذه الفترات، وأنجزت الكثير من الأعمال الميدانية، وهنا أريد توضيح أمر بالغ الأهمية حول فيلم بن بولعيد، كونه ليس فيلما توثيقيا أكاديميا تاريخيا، بل هو فيلم حول التاريخ، وهو عمل سينمائي بالدرجة الأولى موجه للفرجة وليس لشيء آخر·

وكأنك تلمح إلى النقاد بأن لا يحاسبوك على الحقائق التاريخية التي جاءت فيه تجنبا للجدل؟

بالعكس تماما، فأنا أدعوهم إلى النقاش المفتوح ووضع الفيلم تحت مجهر النقد بكل حرية، وأدعو كل المختصين في التاريخ السمعي البصري من أجل نقد الصورة والصوت الإضاءة والعمل التقني وحتى السيناريو، لكن أدعو إلى نقد حقيقي وعميق وبناء يخدم الحركة الثقافية والفنية والتاريخية لا أن يكسر ويهدم·

بذكرك الجدل، ما قولك في وجهة نظر ابنة الشهيد، التي ترى أن نهاية والدها ليست كما صورها الفيلم في أحد التفاصيل حول استشهاده؟

لا أحد في الجزائر يملك حقيقة الظروف والكيفية التي استشهد فيها مصطفى بن بولعيد، وكل ما قيل عن ذلك لا يعدو أن يكون مجرد تأويلات وقراءات، إذ  الأرجح أنه مات باستعمال جهاز إرسال واستقبال عن بعد، أما فيما يخص ظروف وفاته، فإننا قبل التصوير استمعنا إلى أبنائه ومنهم ابنته التي تتحدثون عن تصريحها، وفي اعتقادي الشخصي أنه حتى ولو كان مصطفى بن بولعيد قد تعرض لتصفية داخلية، فإن فرنسا الاستعمارية، في الأخير، هي المسؤولة، لأنه  هزمها بسيكولوجيا وعسكريا في العديد من المعارك·

دوما عن المصادر، ما مدى اعتمادك على المصادر الفرنسية؟

لقد اعتمدنا عليها وبالقدر الكافي، وكان من أهمها حوار بن بولعيد مع ''فانسون مانتوي''، وهو رجل مخابراتي ومثقف استنطقه في تونس 3 أيام كاملة، ليخلص إلى نتيجة، هي أن بن بولعيد غير قابل للتفاوض وقناعته بالثورة لا تتزحزح أو حبسه، وأنه عليهم إما إعدامه أو سجنه·· وللتذكير، فإن الفيلم كان موضوعيا جدا وخاليا من الأحكام، رغم تصوير العديد من مواقف سياسيي الثورة ككريم بلقاسم وبيطاط وبوضياف وغيرهم، وكانت كلها لقطات من دون شطط، وحتى أكمل عن المراجع الفرنسية، اعتمدنا أيضا على الكثير من المقالات الصحفية الفرنسية عن بن بولعيد· 

Samedi 13 Décembre 2008

 

بوتفليقة يدعو إلى جعل فيلم بن بولعيد بداية لسلسة الأفلام التاريخية

المحور الاول (1) 

l  بخوش: ''مصطفى بن بولعيد''·· عمل سنمائي وليس عملا توثيقيا

l  بن بولعيد يبعث حيا   l  فيلم سياسي أم حربي أم من نوع الأكشن؟!

عرض مساء الأربعاء الماضي بقاعة الموفار، الفيلم التاريخي لشهيد الثورة التحريرية، مصطفى بن بولعيد، وهذا بحضور كل من رئيس الجمهورية، عبد العزيز بوتفليقة، رفقة أعضاء من الحكومة وبحضور أبرز الممثلين والسينمائيين الجزائريين···

وأكد رئيس الجمهورية، عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان يتحدث إلى مخرج الفيلم، أحمد راشدي، على ضرورة مواصلة العمل السينماتوغرافي·  مشددا على ضرورة بذل جهود أكبر من خلال جعل فيلم بن بولعيد بداية لسلسة من الأفلام التاريخية، التي ترصد حياة ومشوار من صنعوا الثورة التحريرية· وهو نفس ما أكد عليه وزير المجاهدين، محمد شريف عباس، الذي شدد على ضرورة إعطاء الأهمية لكتابة تاريخ الجزائر· مبرزا دعم وزارته لكل الأعمال التي تخلد أبطال ثورتنا المجيدة، وكذا الشخصيات التاريخية البارزة· وهو ما نص عليه الدستور المعدل أخيرا، الذي أكد على ضرورة كتابة التاريخ دون أي تزييف أو تحريف···  

 

فيلم ''مصطفى بن بولعيد''·· نحو وجهة نظر جزائرية لذاكرة جماعية؟!

من ذا الذي انبعث حيا وعاد·· مصطفى بن بولعيد  أم السينما في الجزائر ؟

احميدة · ع

كان لابد أن يلتقي شخصان، كلاهما ظل يداعب الذاكرة من حين لآخر خلال مسارهما الثقافي ''أو الإيديولوجي السياسي''، إن شئنا، ليقولا حقيقتيهما، حقيقة تنبع من الداخل حول الذاكرة المشتركة، ذاكرة حرب التحرير وما تشعب  عنها لحظة ما بعد الاستقلال·· الأول هو المخرج أحمد راشدي صاحب فيلم ''طاحونة السيد فابر''، الذي حاول أن يزيل  الستار وبشجاعة عن تلك الفترة القلقة والمؤلمة التي تلت حصول الجزائر على استقلالها، ودخول الإخوة الأعداء في نزاع شرس حول السلطة، انتهى بإزاحة أول رئيس جمهورية من الحكم من طرف وزير دفاعه الكولونيل هواري بومدين، الذي تقلد مقاليد السلطة بعده وحكم الجزائر لعهدتين تقريبا، الثاني هو صحفي وكاتب وضع كتابا عن ''اغتيال ثورة'' مع أحد وجوه المنطقة الرابعة البارزين، لخضر بورفعة، وأعاد بعث ''لالة فاطمة انسومر'' على الركح، وذلك في فترة التسعينيات، فترة تصاعد المد الأصولي المسلح وانتشار ظلال الشك حول جذور ومستقبل الوطنية الجزائرية روح الذاكرة الجماعية·· وكانت نتيجة هذا اللقاء بين وجهين من جيلين مختلفين فيلما عن شخصية تاريخية، إشكالية، وهي شخصية مصطفى بن بولعيد، أحد الوجوه المدشنة لعملية نوفمبر الثورية والتاريخية·· إلى أي مدى تم التواطؤ بين جمالية المخيال والحقيقة التاريخية، وإلى أية درجة تمكن المخرج وكاتب النص والحوار من تخطي حواجز المسكوت عنه، المتعلق بما هو نزاعي داخل سياج ذاكرة حرب التحرير وتجاوز منطقة المحظور في قول حرب التحرير كمشروع حلم، وفعل بطولة إنسانية بوجهيها الإيجابي والسلبي، ومجازفة تحررية على صعيد التعبير المرئي لجيل عايش الثورة، وفاعلين اكتووا بلهيبها، وجيل لا يملك عنها سوى شتات صور، هي أقرب إلى لون الضباب ولون الرماد؟!

مصطفى·· أصل الحكاية

يبدأ الفيلم بعودة مصطفى بن بولعيد المجند في صفوف الجيش الفرنسي من أتون الحرب العالمية الثانية إلى بلد، هو بلده، يكتشف جمال الجزائر، يراوده حلم، لكنه حلم خفي، غامض بينما يبدو جليا في ملامح وجهه ونظراته الهادئة·· وقد نجح بشكل منقطع النظير جمال قشاش في أداء دور شخصية الشاب مصطفى بن بولعيد، تحكمٌ في قسمات الوجه، في الصوت، وفي جرنا إلى الإحساس الحميمي والعفوي والهادئ بروح شخصية مصطفى،  الشاب المفعم بالروح الخصب، روح الوطن، والممثل لبطولة من طراز جديد، يتلاقى فيها الطهر بالتواضع، والقوة بالحكمة، والهدوء بالإقدام، والشجاعة بالإيمان والصمود بالإصرار·· البطل مصطفى من مواليد 1917 بالأوراس، حاصل على شهادة نهاية المدرسة الابتدائية، ينحدر من عائلة ميسورة الحال، حقق نجاحا شخصيا على الصعيد الاقتصادي، ووضع ثروته الشخصية في صالح اندلاع حرب التحرير، وهو بهذا البروفيل حاول أن يسلك طريق ابن منطقته بلوديني موقد فتيل ثورة 1916 ـ 1917 بالأوراس، والذي ألقي عليه القبض عام 1917 من طرف القوات العسكرية الفرنسية· تزامنت عودة بن بولعيد إلى مسقط رأسه مع تملص فرنسا من وعودها بإعطائها الاستقلال للجزائريين إذا ما هزمت ألمانيا الهتلرية واقترافها أم الخطايا ـ أحداث 8 ماي 1945 ـ اكتشف مصطفى، الذي كان يكن لزعيم الوطنية الروحي والسياسي مصالي الحاج الوفاء، حدود الحزب الوطني الذي دخل في نفق مظلم بحيث ساد النزاع من أجل الزعامة، وكان ذلك على حساب الهدف الرئيسي، وهو تحقيق الاستقلال عن طريق الكفاح المسلح·· كان مصطفى ضمن النواة الأولى التي منحت لفعلها الثوري معنى تاريخيا ودلالة عضوية··· حاول الفيلم رسم المسار وفق التقيد شبه الصارم بالإيقاع الكرونولوجي، من اندلاع الثورة في منطقة الأوراس، إلى لحظة القبض عليه من طرف السلطات الفرنسية في الحدود التونسية ـ الليبية إلى لحظة الهروب الكبرى من سجن الكدية وعودته إلى رفاقه بالجبل،  وانتهاء باستشهاده إثر فخ على خلفية ''خيانة'' داخلية، كانت نتيجة صراع على زعامة المنطقة، نشب منذ لحظة  غيابه·· الفيلم يحسب له أنه كسر طابو الصمت عن هذا الجانب، إلا أنه أشار إلى ذلك بشكل شبه إيحائي·

فيلم سياسي أم حربي أم من نوع الأكشن؟!

تنازعت فيلم ''مصطفى بن بولعيد'' ثلاثة توجهات، أو بالاحرى ثلاثة أساليب على الصعيد الفني، فالجزء الأول منه، وهو الذي تعرض لاستراتيجية حزب الحركة من أجل انتصار الحريات  الديمقراطية (MTLD) وهو الحزب الوطني الذي يتزعمه مصالي الحاج، وصراعه مع الإدارة الكولونيالية وأسلوبه في إدارة الجماهير وعلاقته مع التيارات الوطنية الأخرى، ثم في كيفية تعاطي زعيم الحزب مع خصومه من داخل التنظيم نفسه، ووصوله إلى طريق مسدود وعدم استيعابه اللحظة التاريخية الجديدة، ''لحظة الكفاح المسلح''، التي مثلها جيل جديد من الثوريين ومنهم محمد بوضياف، والعربي بن مهيدي، ورابح بيطاط وكريم بلقاسم، وقد حقق المخرج أحمد راشدي تفوقا في تقديم مثل هذا الموزاييك السياسي عشية اندلاع الثورة·· وذلك من خلال الإدارة الذكية والناجحة للممثلين·· مثل سليمان بن عيسى الذي أدى دور مصالي الحاج بشكل ناجح وقوي، وشوقي بوزيد وسامي علام اللذين تألقا في كل من دور محمد بوضياف وكريم بلقاسم·· وإلى هذه اللحظة وجدنا أنفسنا أمام فيلم سياسي بالمعنى الجمالي للكلمة، خاصة وأنه للمرة الأولى في السينما الجزائرية تم استعادة من لعبوا دورا تاريخيا في الحركة الوطنية وحرب التحرير، من الزمن التاريخي إلى الزمن السينماطوغرافي·· لكن ما أن اندلعت الحرب  حتى وجدنا أنفسنا ننتقل إلى لحظة ثانية وأسلوب ثان، وهو الفيلم الحربي، قوة في الصورة، بلاغة في الحركة، وسيادة مشهد الرصاص والانفجارات والقنابل والعساكر والعربات والمدرعات على مشهد نزاع الشوارع والشخصيات داخل الأماكن المغلقة·· إننا أمام الأسلوب الهوليوودي الذي يذكرنا بالحربين العالميتين، الأولى والثانية·· وبالرغم  أن هذا الانتقال إلى الأسلوب الثاني لم يؤثر كثيرا على الجزء السياسي الذي ولجنا به عالم  الفيلم، إلا أن الانتقال مع مصطفى بن بولعيد إلى سجن الكدية كاد ينسينا ذلك الريتم الأول الذي انطلق به الفيلم، فعملية التحضير للهروب من السجن استغرقت وقتا طويلا وبالتالي قامت نوعا ما بتكسير النسق الأول والثاني، وهذا ما ترك انطباعا أننا نعيش زمنا آخر ومختلفا للفيلم، وكأنه فيلم آخر عن الهروب من السجن، فهل يكشف ذلك أن المخرج حاول أن يوظف كل ما عنده ليقدم فيلما كبيرا عن شخصية عظيمة مثل شخصية مصطفى بن بولعيد؟! يبدو أنها نقطة الضعف التي أفقدت نوعا ما، ألق الإيقاع العام للفيلم·· وبتعبير آخر كان على المخرج أن يحسم الاختيار بين الأكشن المبني على لعبة حرق الأعصاب والانتظار ''بالمشهد الطويل للهروب من السجن''، وبين المشهدين الآخرين السياسي والحربي، اللذين أعطيا للفيلم قوته على صعيد الشكل والمضمون·

Samedi 13 Décembre 2008

بوتفليقة يدعو إلى جعل فيلم بن بولعيد بداية لسلسة الأفلام التاريخية

l 

 

فيلم ''مصطفى بن بولعيد''·· نحو وجهة نظر جزائرية لذاكرة جماعية؟!

المحور الثاني(2)

 

نحو وجهة نظر جزائرية وتأويل جديد للذاكرة الجماعية؟!

منذ سنوات، وكان ذلك في الثمانينيات، تم إنتاج فيلم ضخم حول الشيخ بوعمامة، وكان ينتظر أن يليه فيلم حول ''الأمير عبد القادر''، لكن فيما يبدو العملية توقفت في بداية الطريق، وكان للهزات التي عرفتها الجزائر بعد أحداث أكتوبر ,1988 انعكاسات واضحة على ذلك·· فهل يمكننا أن نأمل مع إنتاج فيلم كان ناجحا على أكثر من صعيد، ''الجمالي والرمزي'' حول ''مصطفى بن بولعيد''، أن يعبد الطريق لميلاد متجدد لتيار في السينما بالجزائر، يسعى إلى تقديم وجهة نظر جزائرية حول ذاكرته الجماعية عبر تأويل جديد قائم على الاجتهاد والنقد الخلاق والموهبة والانخراط ضمن لعبة وحدة الاختلاف والتنوع··؟!

أتصور أن فيلم ''مصطفى  بن بولعيد'' خطوة أولى ونوعية، حتى وإن كانت غير كاملة ـ أليس الكمال لله؟! ـ على طريق طويل، طويل جدا، لكن قد يكون أكيدا يتشكل عبر محطاته ما يمكن أن نسميه بالوعي الوطني الجمالي···

 

 

بن بولعيد يبعث حيا

فرحان صالح

الكلام للرصاص ولمظاهرات شعبية تدعو للاستقلال، هكذا البداية التي تراها وأنت تتابع مجريات حياة بن بولعيد، في فيلم مدته تزيد عن الساعتين· وبن بولعيد من جيل انفصل عن آباء الثورة الأولى، مصالي الحاج، ليؤسس لإضافة جديدة لجيله·· وللثورة منطقها ونظامها وآليات عملها، وللرصاص، حينما يكون الوطن محتلا دور له، وإن لم يكن هو اللغة الوحيدة، بل أنها إرادة الحياة للشعب الجزائري، إرادة الاستقلال والتحرير من الاستعمار الفرنسي· والخيانة ذاتها وفي كل ثورة جزء منها وليست منفصلة، وما تدوين بولعيد لاسمه وبخطه على سجل دفتر الشهداء قبل وفاته بقليل، سوى المعنى الذي يحمل الهواجس الكثيرة من إمكانية وجود خونة يتربصون به، وبالتالي العمل لهزيمة منطقة الثورة·· وهنا للاستعمار استراتيجيته ضد الثورة ولبقاء هيمنته، وللثورة استراتيجيتها أيضا، هذه التي كانت تبرز في كل لحظة يموت واحد من قادتها من أمثال بن بولعيد، فالثورة تتصلب أكثر، وهذا ما كان يحصل· فالشعب الجزائري وباستثناءات محدودة، شكل الحضن للثورة ولمنطقها، ومنطق مصالي الحاج في مراهناته على أوضاع مختلفة محليا ودوليا، كان قد أصبح الخطوة التي سيصار لتجاوزها، وبن بولعيد فعل ذلك·

بن بولعيد، تماهى مع مشاعر الناس، وهو واحد منهم، وكانت لغته بسيطة بل قد تكون ساذجة وعفوية، والقرارات التي أخذها في كل مراحل حياته النضالية كانت تحمل الثقة الكبيرة بالشعب الجزائري·

أيضا من ضمن تلك العفوية التي يلاحظها المتتبع للفيلم، عدم وجود تدريب على السلاح، إضافة لعدم وجود استطلاع، وأيضا عمل بما يكفي ضمن صفوف قوات المحتلين، أي التجسس على مخططات المستعمرين وبالتالي مواجهتها بمخططات نقيضة·

مصالي الحاج بشخصية الممثل الذي يتقمصه، وكأنه هو تماما· مصالي كما ذكرنا له منطقه، وهو في منزل مريح وضمن عائلة وإمكانيات توفرله كل ما يريد· هو وفي منطقه وفي تعامل بن بولعيد وغيره معه، كان أبا للثورة، ولكن كان للأبناء كجيل جديد منطقهم، إذ رأوا بأن الاستقلال لن يتحقق إلا بالعنف المسلح، وللنضال من أجل الوصول للتحرير والاستقلال وجهان سياسي وعسكري· لذا كانت جبهة التحرير الوطني، الوجه السياسي، وجيش التحرير الوجه العسكري· وكان التكامل بين هذا وذاك كاملا· لقد كان بن بولعيد بعيد النظر حينما طالب بعدم التحزّب خلال فترة التحرير، وبالتالي فهو قد اعترف بأن كل طبقات الشعب لها مصلحة في الاستقلال، والنخب القائدة ومنها بن بولعيد اعتبرت بأن كل الشعب الجزائري هو الجسد الذي تتشكل منه وتسري في عروقه الدورة الدموية التي ستحقق الأهداف المرجوة· وما طرحه مصالي الحاج ''لجنة الأنقاذ العام'' قد شكل المدخل للانتقال إلى الدائرة الأرقى، الكفاح المسلح، وصولا للتحرير والاستقلال··

يهدف كاتب السيناريو الصادق بخوش فيما قدمه لنا بوضوح إلى تقديم لوحة تشكيلية للشخصيات الأولى للثورة، وإن كان قد ميز بين مصالي الحاج الذي كان يربط مصير الجزائر بشخصه، وبين الشخصية العامة للجزائر من خلال إعادة الاعتبار لهذا النسيج المجتمعي بتعدديته· والصادق كما بن بولعيد لم يستثن أحدا من الجزائريين، وكلهم دعاة وعاملون للاستقلال، وإن كان أحدهم قد تم استثناؤه، فهو ذاته هذا الأحد المستثنى، قد قام بذلك· وبن بولعيد كثير الحذر من عملاء الاستعمار، وهو الذي يعرف بأن الخيانة دائما مرافقة لكل عمل خاصة الثوري منه· ولكن ثقة بن بولعيد الكاملة بالشعب الذي ينتمي إليه قد بدت في كل تصرفاته وعفويته أيضا، وعفوية الشعب الجزائري وطيبته ذاتها تبدو حينا على أنها قد ساعدت الاستعمار الفرنسي على تمرير وتبرير تلك المجازر الجماعية وصولا إلى ما يزيد عن المليون شهيد، هو ما دفعته ثورة التحرير الجزائرية· وهذا الأمر إن تبدى ففي ضعف الدور السياسي للقادة الشعبيين الذين لم يلبثوا أن ينكشفوا وبالتالي يتم ملاحقتهم من قبل المستعمر وعملائه، هذا الأمر لم تستطع جبهة التحرير استثمار مشاعر وطيبة وبساطة الجزائريين والارتقاء بها إلى المزيد من الحذر، وبالتالي التقليل من عدد الشهداء· ولا يكفي تصوير ذلك التعاطف الذي لاقاه بن بولعيد بعد خروجه من السجن سواء من عائلة شقيقته، أو من قبل البعض، بل هذا ما كان على المخرج تبيانه بصورة أوسع·

والثورة ذاتها في بداية انطلاقتها رافقها ضعف في التسلح، وإن كان الفيلم ذاته قد لاحظ بأن المصدر الأساسي لسلاح الثورة هو ذاته سلاح المستعمر التي تتم السيطرة عليه بعد كل معركة·

أضف، بأن البساطة ذاتها قد رسمها المخرج والمؤلف من خلال إعادة الاعتبار للثقافة الإسلامية التي كانت ذاتها الثقافة التي نشرتها الثورة وحققت من خلالها الاستقلال· والثقافة الإسلامية كانت القاسم المشترك ببن الجزائريين وعامل توحيدي لهم· مقابل ما كان مضمرا في وصف الثقافة الاستعمارية على أن الدافع الذي تحمله هو دافع صليبي· وبهذا فالنخبة والتي كانت، بل بدت متماهية في الجسم المجتمعي الجزائري، اعتبرت بأنه خلال الثورة وبعدها سيصار لبروز قوى اجتماعية - نخب - تفكر بما سيصار للبناء عليه بعد التحرير ولما ستكون عليه الجزائر· وبهذا فقد رسمت اللوحات المتعددة التي عرضت خلال الفيلم، الروح المحركة للثورة بما هي روح المجتمع الحزائري، وهذا ما أعطى مفهوما معينا للشهادة في نفوس الجزائريين، أي أن الشهيد هو شهيد كل الجزائر، كل الشعب الجزائري·

الملفت في مشاهد الفيلم هو تركيز المخرج على الطبيعة الجغرافية للجزائر، هذه الطبيعة التي احتضنت الجزائري في حياته ومماته، وفي نضاله أيضا، حيث شكلت عاملا تم استثماره إلى أبعد الحدود والطبيعة ذاتها كانت من أكثر أعداء الاستعمار· ويبدو أن التركيز في مشاهد الفيلم على العوامل الطبيعية، وطبيعة الأمكنة التي انطلقت منها الثورة، لهو من الدلالات التي أعطت ثقة للمقاتلين