Jeudi 15 Novembre 2007

إشكالية الفهم كزاوية لكتابة تاريخ الاستعمار الفرنسي بالجزائر

(2)

د. الطاهر عمري

أستاذ محاضر بالمدرسة العليا للأساتذة- قسنطينة- الجمهورية الجزائرية     

   نتائج الجهل بالآخر  

  

   و قد جعل هذا الجهل بالجزائر و سكانها و بناها الأصلية، المجتمع الفرنسي و حكومته يختلفان بين مؤيد  ومعارض بشأن الاحتلال الجزئي أو الشامل وبين الاحتفاظ بالجزائر أو التخلي عنها نهائيا. كما جعل هذا الجهل " بالأخر"-الجزائري القادة العسكريين الفرنسيين يعانون لفترة طويلة من التخبط الإداري و الفوضى في تثبيت وجودهم بالجزائر. الأمر الذي جعلهم يتعرضون للشك و التهجم و الرفض من طرف الجزائريين. و نورد كمثال على عجز الجندي الفرنسي عن تصور الواقع الجزائري ما جاء في رسالة موجهة إلى الكونت كلوزيل، مؤرخة في 20 ماي 1831 ، صادرة عن أحد مساعديه يقول فيها  «لقد طلبتم أن أفصل لكم نظرتي حول إقامة مؤسسة للتعليم العام بالجزائر (...) ينبغي أن أعترف لكم أنني لا أعرف الجزائر إلا من خلال الوصف» .

          إن من الأفكار الاستشراقية، التي كانت رائجة في أوروبا ، قبل غزو الجزائر، و التي يكون رواد الغزو قد تأثروا بها، الفكرة التي تزعم أن الإنسان العربي لا يحب إلا من يخضعه بالقوة و ما دام المستشرقون الأوروبيون قد ساهموا في الغزو منذ حملة د يبورمون على الجزائر  فلا يستبعد أنهم قد كرسوا نظرية استعمال العنف المادي مع الجزائريين، باعتبارهم لا يخضعون إلا للقوة.   

جهل متبادل

      ولم يكن الجهل " بالآخر "- المستعمر لدى الطرف الجزائري بأقل منه لدى الغزاة الفرنسيين. و كان مما يعقد الوضع و يصعب العلاقات هو الأفكار المسبقة التي كان الجزائريون يحملونها عن " الغزاة المسيحيين " و التي كان معظمها -إذا أخذناها في إطارها التاريخي آنذاك- مشبعة بروح العقيدة الإسلامية، و مرفقة بالتعصب الناتج عن السنوات  الطويلة للخصومة بين الطرفين. و نقصد بالتعصب هنا، «الأحكام غير المؤسسة على عناصر موضوعية، ثم تصاحبها مشاعر الكراهية تجاه " الأخر "وتكون-غالبا-مرفقة بسلوكيات عدائية».

       جاء في تقرير حمدان خوجة، إلى اللجنة الإفريقية ، سنة 1833، قوله:  «و هناك سبب أخر منع من ظهور الحقيقة، و هو أن أبناء قومي يجهلون مؤسسات الفرنسيين، و قوانينهم و عاداتهم و موضوع وجودهم في إفريقيا». وكان من نتائج هذا الجهل لدى الجزائريين، أن الغزو الفرنسي في بداياته لم يثر لدى هؤلاء أي خوف أو قلق. لأن ذلك كان من الأمور المألوفة لديهم، إذ طالما نزل الفرنجة بالشواطئ الجزائرية قبل ذلك. بل إن هؤلاء كانوا قد احتلوا بعض المدن الساحلية، فطالما رفرفت أعلام إسبانيا و إنجلترا على حصون وهران، و خضعت عنابة و الجزائر مرات عديدة لمطالب الأوروبيين، و لكن كل ذلك قد انتهى . و لذلك لم يشعر الجزائريون بخطورة الفرنسيين الغزاة في البداية، بل إن تصرفات هؤلاء هي التي أقنعت الجزائريين أن هذا الحضور لم يكن بالأمر العادي.

          4.تأثير الأفكار الدينية

و إذا قرأنا موقف الجزائريين، في ضوء البنية الثقافية والدينية للمجتمع في ذلك الوقت، ظهر لنا أن الجزائريين كانوا يعتقدون أن الله لن يسمح للكافر " بتدنيس " جزء من أرض الجزائر المحروسة التي هي  قطعة من دار الإسلام. و لكن يظهر أن شراسة الغزو قد وضعت حدا لهذا الاعتقاد، و صارت هزيمة الجزائريين، تفسر على  أنها" تعبير عن غضب الله على عباده المنحرفين عن منهجه الصحيح ".

          وهذا ما نجده في قصيدة ابن الشاهد في احتلال الجزائر إذ «خاطب فيها أسوار الجزائر التي كانت حصينة ومع ذلك سقطت أمام الأعداء متسائلا ما إذا كان سقوطها من الخوف أو من الخيانة . ويعيب على أهل الجزائر ابتعادهم عن الله مما أوقعهم في قبضة الجور والجهل وخراب الاقتصاد وبوار البيوت..» و هذا الموقف الديني- في نظرنا- لم يكن يعبر عن رأي فئة فحسب، بل ربما كان يمثل الرأي العام  الذي يعبر عن الحالة الثقافية و بنية المجتمع في ذلك الوقت. و بالتالي فإن  «هذه الفكرة-كما يقول حمدان خوجة- هي فكرة كثير من الناس»  .

         بل إنها _ كما يقول ديبارمي- تمثل « عمق العقلية المغربية ‎ 

 

ثانياً. مقاربات لتحليل بعض الأحداث التاريخية بواسطة إشكالية الفهم

 

المقاربة الأولى:

 نظريات الإبادة العرقية:

          إن النظام الاستعماري -في الواقع- لا يمكن أن يوجد و يستمر إلا خلال نظام من " نفي الأخر" . ذلك أن الاستعمار-كما يؤكد الباحثون - " ارتبط منذ نشأته بالاستغلال أوثق ارتباط . بل كان الاستغلال هدفا أساسيا من بين أهدافه .. "

          و يفترض هذا الاستغلال - منذ بداياته- عنصرين هامين: ترسيخ نوع من العلاقات الاجتماعية الرأسمالية، و بالتالي تحطيم العلاقات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية (= البنى الأصلية)، أو إخضاع هذه الأخيرة للبنى الرأسمالية الجديدة، في حالة العجز عن تحطيمها. و هذان العنصران " شرط أساسي لاستمرار الوجود الاستعماري ". وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن البنى الأصلية للمجتمع الجزائري تسري فيها روح العامل الديني، استطعنا أن نفهم كيف أنه من الصعب ترسيخ علاقات اجتماعية رأسمالية على حساب البنى الأصلية، و من هنا يصبح القضاء على هذا العامل أو على الأقل

publié par nassmlahcity dans: CULTURE

Recherche

Newsletter

Inscription à la newsletter

Portail de l'emploi 100% gratuit

Créer un blog sur dzblog.com - Contact - C.G.U. - Reporter un abus