|
إشكالية الفهم كزاوية لكتابة تاريخ الاستعمار الفرنسي بالجزائر (1) د. الطاهر عمري أستاذ محاضر بالمدرسة العليا للأساتذة- قسنطينة- الجمهورية الجزائرية
إن نظرية الإدراك Théorie de perception قد تجاوزت في استعمالاتها حقل علم النفس وصار بالإمكان إعطاؤها تطبيقات في ميادين كثيرة منها علم النفس التعلم La psychologie de l'apprentissage وعلم النفس العيادي ونطمح نحن في هذا المجال إلى استعمالها كمفهوم إجرائي في ميدان علم التاريخ خصوصا وأن المتخصصين في ميدان علم نفس الإدراك يؤكدون على أن« إهمال تنظيم المحرضات التي تصل إلى الحواس من العالم الخارجي يجعل المرء يعيش حالة من الفوضى الإدراكية.. كما أن تنظيم هذه المحرضات بطريقة عزل العناصر غير المرغوب في إدراكها أو إدراك عناصر غير موجودة كل ذلك يجعلنا نعيش عالما من الأوهام» .كل هذا المسعى هو من أجل كتابة جديدة لتاريخ الجزائر تستعمل لصالحها مكتسبات علوم الإنسان الحديثة في جوانبها المعرفية والمنهجي. فقد لاحظنا من خلال بحثنا في تاريخ الجزائر الحديث أن بعض الكتابات تحاول أن تفرض قوالب جاهزة من حيث زاوية الرؤية مع أنها تصادر على المطلوب؛ إذ تفترض منذ البداية أن الاستعمار الفرنسي كان يعرف كل شيء عن المجتمع الجزائري وأنه جاء بمخطط مسبق وواضح المعالم والخطوات من أجل تحطيم بنى هذا المجتمع. كما تفترض نفس هذه الزاوية في التحليل أن الجزائريين كانوا يعرفون كل شيء عن الاستعمار وأنه كانت لديهم فكرة واضحة حول كيفية مواجهته.وقد قمعت هذه النظرة كثيرا من عناصر الفهم الضرورية وأغرقت تاريخ المقاومة العسكرية خلال هذه المرحلة في الغموض وكرّهت إلى الأجيال قراءته. وتعيد هذه الزاوية في القراءة تاريخ الجزائر إلى أحضان الثقافة العربية الإسلامية. أولاً- توصيف الإشكالية1.الصدمة التاريخية: إن الحكم على الأشياء هو - كما يقول علماء المنطق - فرع عن تصورها . و انطلاقا من هذه القاعدة المنطقية فإنه من المفيد- منهجيا- أن ندخل لموضوعنا من باب تصور الجندي الفرنسي للمجتمع الجزائري و بناه الأصلية، و كذا تصور الجزائريين لرواد الغزو، مع أول احتكاك بين الطرفين . وسوف يساعدنا ذلك على فهم أثار الغزو على بنية المجتمع الجزائري.و للحصول على مقاربة واقعية في الموضوع لا بد من الرجوع إلى الشهادات المعاصرة لبدايات الغزو، و ما توفره لنا المصادر القريبة إلى تلك الفترة. لقد لخص حمدان خوجة ، و هو أحد المعاصرين لهذه الفترة ، في كتابه المرآة ، نظرته إلى الحملة الفرنسية على الجزائر و اعتبرها " صدفة تاريخية " Hasard historique . وأرجع أسباب الخصومة بين الحكومة الفرنسية وداي الجزائر إلى تشابك معقد لأخطاء سببها سوء الفهم المتبادل بين الطرفين. 1) و إذا أهملنا- إلى حين- الأطماع المادية و الأحقاد الروحية التي وجهت هذه الحملة، سنة 1830، و اقتصرنا-تبعا للمنهج الذي اخترناه- على تصور الجندي الفرنسي و المعمر الأوروبي للواقع الجزائري، فإننا نقف على جوانب هامة، تساعدنا على إدراك ثقل هذه " الصدفة " التي تحولت- شيئا فشيئا- إلى "صدمة" للطرفين. وقد ظهر، من خلال الأحداث المتلاحقة، أن قادة الجيش الفرنسي لم يستفيدوا شيئا من تجربتهم في مصر. إذ يذكر المؤرخون أن هؤلاء لم يتمكنوا من فهم طبائع الشعوب الإسلامية، إذ كانوا يجهلون بنية المجتمع الجزائري، دينا و دنيا، و إدارة. بل إن« الحقد الأعمى، الذي تضاعف أوائل القرن التاسع عشر ضد الولايات العثمانية بشمال إفريقيا، كان قد تشبع من نفوس قادة الحملة الفرنسية على 2) الجزائر». كما تشهد المصادر الفرنسية أن صورة المجتمع الجزائري ، لدى رواد الغزو، كانت تصدر عن الخيال أكثر مما تصدر عن الواقع . و قد عبر بعضهم عن هذه الصورة الغامضة " بالسراب الجزائري " Mirage algérien الذي استمر طويلا بعد هذا التاريخ.كتب شارل تايارد Charle Taillard يقول: « لم تكن فرنسا تعرف عن الدولة الجزائرية سنة 1830 إلا الشيء القليل، أو هي لا تكاد تعرف عنها شيئاً بالمرة. 2.تأثيرألأيديلوجياتكانت الأفكار السانسيمونية، في فرنسا في هذه الفترة، تجتذب إليها عددا من رواد الغزو العسكريين، الذين كانوا يؤمنون بالنضال من أجل برنامج طموح يتعلق بالتطور الاقتصادي و المشروعات الكبرى. و كان بعضهم يناضل داخل أحزابهم من أجل الترويج لمذهبهم السياسي و الاجتماعي باعتبار أن « السانسيمونية -مثل غيرها من المذاهب السياسية والاقتصادية والسياسية -كانت تطمح لتحقيق سعادة الإنسانية (...) والنفع العام ،دون نظر لمصالح الأفراد» .غير أن هذه الأفكار « لم تكن عبارة عن برنامج واضح » . ولذا فإنه عندما يواجه هؤلاء القادة الشبان المشبعون بأيدلوجياتهم مجتمعا تحت وقع " الصدمة "، فلنا أن نتصور جميع المشكلات التي يمكن أن تحدث من جراء هذا الصدام . وذلك رغم طموحاتهم الواقعية أو الحالمة في نشر الحضارة بطريقة الغزو العسكري. و يذكر المحللون أن كثيرا من رواد الغزو كانوا يفهمون الاستعمار على أنه إرادة واعية لنشر الحضارة ، و لكن هناك خطرا كان ينبغي أن يتوقعوه -كما تقول إ.تران - و هو" احتمال الاصطدام بحضارة أخرى" . و قد أثبتت لنا الأحداث التاريخية فيما بعد أن الحكومة الفرنسية عندما أرسلت قواتها لغزو الجزائر لم يكن لديها أي مشروع واضح بهذا الشأن ، و لم تقم - على حد علمنا - بأي دراسة مسبقة بشأن الجزائر. كما أن الأفكار التي كانت تروج في فرنسا عن الجزائر" كان أكثرها مغلوطا و مشوها". بل إن كثيرا من رواد الغزو أنفسهم اعترفوا بأنهم كانوا يجهلون كل شيء عن الجزائر ، إلا ما قرأه بعضهم في تقارير الجواسيس و رحلات المستشرقين و القلائل من بينهم - فقط- هم الذين كلفوا أنفسهم عناء التعرف على هذه البلاد . فكلهم –تقريبا- كانوا يعلمون أن الجزائر كانت مركز القرصنة، و أن حكامها أتراك متوحشون، و أهلها عرب منحطون، " و لكن ما هي الأحوال في الداخل؟ و ما هي الطبائع و العادات و الملامح الاجتماعية للشعب؟ و ما نوع الحكومة التي يمكن أن تحل محل التي انهارت ؟ و ما هو النظام الإداري الذي يجب إدخاله؟ كل ذلك لم يفكر فيه أحد آنذاك، فقد كان الجهل واللامبالاة مطبقين بخصوص تلك النقط" كما يقول إسماعيل حامت. |
Commentaires
Pas de commentaire pour cet article
Trackbacks
Pas de trackback pour cet article
Adresse de trackback pour cet article :
http://admin.dzblog.com/trackback.php?Id=195386Ajouter un commentaire Créer un trackback







